عبد الملك الجويني
184
الشامل في أصول الدين
أن يقع متولدا ، وأفعال الباري تقع مقدورة فلا يجوز وقوعها متولدة ، فلم ينفعهم تصوير التولد شاهدا مع امتناعه غائبا . والوجه الآخر من الجواب أن نقول : القديمان متماثلان عندكم من حيث اشتركا في أخص الأوصاف ، والمشتركان في الأخص قادران لأنفسهما عندهم ، فيجب أن يكون كل واحد منهما قادرا على كل مقدور ، ويلزم من ذلك أن يكون الاعتمادان جميعا مقدورين لكل واحد منهما ، فلا يستقيم مع ذلك انفراد كل أصل واحد منهما بمقدور يمانع به الثاني ، فقد استبان بطلان ذلك على أصلهم . فإن قال قائل : فلم أطلقتم أنتم التمانع ؟ قلنا : رمنا بإطلاقه أن ما من واحد منها إلا ويجوز تقديره مانعا أو ممنوعا على البدل ، فلما استويا في تقديرنا ، ولم نخصص أحدهما بكونه مانعا أو ممنوعا ، أطلقنا لفظ التمانع . فاعلموا - وفقكم اللّه - أن العرض إن [ لم ] يخرج عن المنع واقتضائه ضعف الممنوع ، فإنه المقصد من الدلالة . فأما تصوير المنع من كل جانب فليس بمقصود ، فاعلموه . الأصل الثامن : أن أحدهما لو نفذ مراده ، ولم ينفذ مراد الثاني مع قصده إلى تنفيذه فيدل ذلك على ضعفه . قال شيخنا رضي اللّه عنه : وهذا معلوم ضرورة ، فإنهما إذا استويا في الإرادة وتحرير القصد ، ثم ثبت مراد أحدهما ، فلا يكون ذلك إلا لاستعلائه وضعف الثاني ، فهذه دلالة التمانع بأصولها وأركانها ، لم نغادر فيها معنى مطلوبا نقدر على إيراده . وبقي علينا من كتاب « التوحيد » ثلاث فصول ، يشتمل أحدها على مطاعن المعتزلة علينا ، ومطاعننا عليهم . ويشتمل الثاني على سلوك سبل من الأدلة سوى التمانع في إثبات الوحدانية ؛ ونذكر في الفصل ما يصح ويطلب مما تمسك به المعتزلة ، لما أيقنوا ببطلان دلالة التمانع على أصلهم . والفصل الثالث يشتمل على إقامة الدلالة على نفي القديم ، العاجز ، المتناهي ، المقدور . الفصل الأول في المطاعن فنبدأ فيه بذكر مناقضات المعتزلة الدالة على فساد دلالة التمانع على أصلهم . فمما يصدهم عن دلالة التمانع إثباتهم الإرادة للقديم لا في محل ، فإذا ثبتت الإرادة كذلك لم تكن مختصة بأحدهما دون الثاني ، من حيث لم تختص بواحدة من الذاتين . وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا . فلما استيقنوا لزوم السؤال ؛ حاولوا دفعا ، وقالوا : نحن نفرض التمانع في إرادة